لعن الله هذا الزمن الرديء الذي أصبحنا نرى فيه "خرّيجي السجون" على الشاشات يحاضرون بالعفة!
فعلاً هو زمن "راكب بالمقلوب"، وإلا كيف يتمّ ترتيب إطلالة إعلامية، على قناة عربية معروفة، لشخص خارج من السجن بكفالة وصلت أرقامها الفلكية إلى 14 مليون دولار عدا السهو والغلط، بعدما كانت 20 مليوناً وتمّ تخفيضها بشكل غير مفهوم وغير مبرّر، وهي قضية قائمة بحدّ ذاتها ولا بدّ من فتح ملفها ومحاكمة كلّ مَن له علاقة بها خاصة مَن نقل إلى منزله خزنة مصرفه وما فيها من أموال للمودعين الذين ائتمنوه على مدّخراتهم وجنى أعمارهم.
أتت المقابلة بشكل بالغ الوضوح لتعطي دليلاً ساطعاً على أنّ المدعو رياض سلامة هو شخص مرتكب وغارق في الذنوب حتى أذنيه، ولا تنفع كلّ أكاذيب الدنيا في تبييض سجله الذي سيبقى أسودَ حتى لو جرى إخراجه من السجن بتسوية سياسية داخلية وخارجية لا علاقة لها بالقانون على الإطلاق.
كلّ جملة وردت في المقابلة تحتاج إلى بعض التفصيل لكي يتمّ تكذيبها وإبراز الحقيقة المعاكسة تماماً لما قاله رياض، لكن حتى لا نطيل نكتفي بالإشارة إلى نقاط بعينها حتى يظهر الكذب كله...
وهنا يستحق رياض سلامة الدخول في موسوعة "غينيس" كصاحب أكبر وأغرب كذبة في التاريخ، حيث حمّل كلّ المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي والمالي وضياع أموال المودعين لحكومة الرئيس حسان دياب التي ضمّت التيار الوطني الحر والثنائي حركة أمل وحزب الله وتيار المرده والحزب الديمقراطي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي... أما الحقيقة الناصعة الساطعة فهي أنّ حكومة الرئيس دياب تمّ تشكيلها في كانون الثاني 2020، بعد الانهيار الكبير الذي حصل في تشرين الأول 2019، علما أنّ أسباب هذا الانهيار كانت تتجمّع وتتفاعل قبل حصوله بسنوات عديدة، حتى أنّ رياض نفسه اعترف بذلك، لكنه غلّف اعترافه بصيغة أنه تعرّض لمؤامرة في العام 2015، متغافلاً عن دوره السيّئ خلال المرحلة السابقة، أيّ منذ تعيينه عام 1993.
إذن... كيف يمكن لحكومة أن تتحمّل مسؤولية أمور حصلت قبل تشكيلها؟ هذا لا يحصل حتى في زمن المعجزات والعجائب، ونحن قطعاً لسنا في ذلك الزمن.
وعن أيّ مؤامرة يتحدث رياض متناسياً أنه تمّ التجديد له في حزيران 2017 لولاية رابعة من ست سنوات بتوافق بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري وبموافقة الثنائي الوطني وعدد آخر من القوى السياسية التي انضوَت آنذاك في الحكومة الأولى لعهد الرئيس عون.
ثم كذبة أخرى عن الدعم، هنا أيضاً حاول تحميل حكومة الرئيس حسان دياب كلّ المسؤولية عن الأموال التي صُرفت على دعم سلة السلع الأساسية التي لا غنى عنها في الحياة اليومية لأيّ عائلة، علماً أنّ الدعم بدأ بتعميم أصدره سلامة نفسه في تشرين الأول 2019، (أيضاً قبل تشكيل حكومة الرئيس دياب)، حين قال في ذلك التعميم للمستوردين والتجار أنّ بإمكانهم الحصول من مصرف لبنان على دولارات بسعر ثابت هو 1511 ليرة لبنانية لكي يستوردوا القمح والمواد الغذائية والأدوية والمحروقات، حتى لا ترتفع أسعارها على الناس مع ارتفاع سعر صرف الدولار أمام العملة الوطنية.
كما تحدث سلامة عن الهدر في الكهرباء منذ العام 2010، في استهداف واضح للتيار الوطني الحر الذي تسلّم حقيبة الطاقة منذ ذلك العام حتى الأمس القريب، لكن الحقيقة التي يعرفها الناس هي أنّ المبالغ التي صُرفت على الكهرباء كانت لشراء الفيول وليس لتنفيذ الخطط التي وضعها الوزراء المتعاقبون وجرت عرقلتها وتخريبها لأسباب سياسية معروفة، مع العلم أنّ سلامة نفسه ومنذ وصوله إلى سدة الحاكمية في العام 1993 ساهم بشكل مباشر في تثبيت تعرفة الكهرباء، الأمر الذي أوْقع مؤسسة كهرباء لبنان في خسائر كبيرة تراكمت على مرّ السنوات، ولم يتغيّر هذا الأمر إلا في تشرين الثاني 2022 مع الوزير السابق الدكتور وليد فياض الذي نجح في كسر سياسة التثبيت، ورغم العرقلة التي واجهتها خطته الإنقاذية، فإنه حقق خطوات متقدمة جعلت المؤسسة قادرة على تسديد ثمن الفيول المستورد من دون اللجوء إلى الاستدانة من مصرف لبنان كما كان يحصل طيلة ثلاثة عقود حين كان المصرف المركزي ومن خلفه الحكومات المتعاقبة، يرفض التخلّي عن دعم سعر الكهرباء، وبالتالي بذّر أموال المدعين في محرقة الدعم من دون أن يرفّ له جفن.
ورغم معرفة سلامة بأنّه لم يعد قادراً على غشّ اللبنانيين، لأنهم باتوا على قناعة تامة بأنّ سبب النكبة التي يعيشونها هذه الأيام هو السياسات المالية والنقدية والاقتصادية الخاطئة التي جرى اعتمادها منذ العام 1993، والتي كان سلامة أحد ركائز تنفيذها إلى جانب وزير المالية آنذاك ورئيس الحكومة لاحقاً فؤاد السنيورة... رغم كلّ هذا حاول سلامة مجدّداً ممارسة الغش الذي تعوّد عليه، فقال إنّ حكومة الرئيس دياب تتحمّل مسؤولية الانهيار لأنها اتخذت في آذار 2020 قراراً بالتوقف عن دفع سندات اليوروبوندز، علماّ أنّ سلامة نفسه يعرف تماماً كيف ومَن ولماذا اتخذ ذلك القرار الإنقاذي، الذي فوّت عليه وعلى شركائه الاستيلاء على ما تبقّى من احتياطي أجنبي في مصرف لبنان، لأنّ الاستمرار في دفع السندات دون جدولة ودون خطة واضحة ومدروسة كان سيعني إفراغ الخزينة العامة كلياً وجعل حساب الاحتياطي من العملات الأجنبية صفراً مكعباً.
أما قوله إنّ الأزمة في سورية أدّت إلى خسائر هائلة في الاقتصاد اللبناني بلغت عشرات مليارات الدولارات، فهو قول صحيح من حيث المبدأ، لكن ما علاقة أموال المودعين بهذه الخسائر؟ بل ربما يكون الأمر معاكساً حيث انّ الأزمة السورية جعلت الكثير من المتموّلين السوريين يحوّلون أموالهم إلى المصارف اللبنانية، لتضيع بدورها مع أموال المودعين اللبنانيين المقيمين والمغتربين.
قد نستمرّ إلى ما لا نهاية في تفصيل أكاذيب رياض سلامة، وهي كثيرة وعديدة على امتداد ثلاثين سنة لم يترك خلالها موبقة أو مخالفة إلا وارتكبها! لكن فقط إشارة أخيرة إلى مسألة واحدة كان على حق فيها وهي أنه ليس وحده المسؤول عن تلك الجرائم المالية بحق البلد والناس، بل كان معه "شلّة" تضمّ سياسيين وأصحاب المصارف وأعضاء مجالس إدارات المصارف وقضاة وضباط وإعلاميين ورجال دين... وهؤلاء جميعاً تكاتفوا وتضامنوا وضغطوا حتى خرج رياض سلامة من السجن بدلاً من أن يدخلوا هم معه إلى الزنازين...





